نموذجٌ تحليلي تَكاملي بين: النَحوِ الوظيفي عند ديك وهاليداي والمتوكل. أفعالِ الكلام عند أوستين وسوريل
الإطارِ المعرفي عند غوفمان وميد
الكلمات المفتاحية:
خِطاب، جملة، تحليل، سيمياء، وظيفة، دلالة، تأطير إعلامي، بناء واقعالملخص
فِي ظلِّ التّغيُّراتِ الجِذريّةِ، التي يَشهَدُها الخطابُ الإعلاميُّ، أصبحَ تحليلُ النّصوصِ فِي الصّحافةِ الاستقصائيّة مِن خلال مَنظورِ النّحوِ الوظيفي، أداةً حيويّةً لِفَهم تَشكيلِ المعاني، وإيصالِها إلَى الجمهور. يَعتمدُ هذا المَنهجُ علَى دمجِ البِنَى النّحويّة معَ الوظائفِ التّداوليّة والدّلاليّة؛ بحيث يُمكِنُ تمثيلُ النّصِ الإعلاميِّ، كنظامٍ رِياضيٍّ مُتكاملٍ، تَتَداخلُ فيهِ عواملُ، مثلَ: السّياقُ، النّغمةُ/ التلوينُ الصّوتي، الإيحاءاتُ اللفظيّةُ وغيرُ اللفظيّة. وعليه، يَبرزُ دورُ النّحوِ الوظيفي فِي تحليلِ الجملةِ، عبرَ تَقسيمها إلَى مكوّناتٍ (الموضوع + الخبر) وكذلك (مُقدّمة، البؤرة، الذّيل، التّتمة، والإطارات/ الطّبقات التّسويريّة) التي تُثري النّص بمستوياتٍ مُتعدِّدةٍ مِن المَعنَى.
يَعتمدُ البحثُ الآتي، علَى نَماذجِ سيمون ديك -بالإضافة لهاليداي والمتوكِّل وهنخفلد وماكنزي- واللغوياتِ الوظيفيّة، التي تَوسّعتْ لتشملَ كِفاياتٍ مُتعدِّدةٍ (نفسيّة، تداوليّة، ونَمطيّة) تَضمنُ مُطابقةَ التّحليلِ اللغويِّ لعمليّاتِ الإدراكِ والتّفاعلِ الاجتماعي.
كما يُولي بحثنا، أهميّةً خاصّةً، سيَّما دورُ أفعالِ الكلامِ والحجاجِ، فِي الخطابِ الإعلامي الاستقصائي، كما عند سوريل وكرايس) إذْ تُشكِّلُ العُناصِرُ السّابقة -فِي المقاربة التّداولية- إطارًا يُمكِنُ مِن خلالِهِ، تَفسيرَ تَأثيرِ النّصوصِ، علَى تَوجُّهاتِ المُتلقِّينَ -التّفاعُل/ وتَغييرِ السّلوك- معَ مُجرياتِ الحدث/ الوقائع. حيثُ يميلُ الرّأيُ العامُّ للبحثِ عن أقصَى قَدرٍ مِنَ الفائدةِ، بأقلِّ جَهدٍ مَعرفي، وهو ما يَدفَعُ الصّحافةُ الاستقصائيّة، إَلى تحقيقِ التّوازن بينَ نَصاعةِ المَعلومةِ وجاذبيّة العَرض، وصولًا لِمكافئاتِ الجذب، التّلميحُ التّصريح، الإيجازُ التّوسع، الكَمُّ والنّوع.
إذن، يُمْكِنُ إعدادُ دراسةِ الباحِثِ أعلاهُ، محاولةً مِنهُ، لِدمجِ (البِنياتِ النّحويّة والوظائفِ التّداوليّة) ضِمنَ نَموذجٍ تَحليليٍّ رِياضي -نادر- يُساعِدُ الإعلامِيِّينَ والصّحفيِّينَ، بفَكِّ رُموزِ النّصوصِ المُسجَّلةِ (الشّفهيّةُ + المكتوبةُ) واستخلاصِ المَعاني المُرسَلَةِ (صَراحةً أو تَوريةً). كما نلفتُ النّظرَ إلَى أنَّ الجِسمَ التّنظيري بِبَحثِنا هذا، سَيكونُ مُسايرًا للتّطبيقِ التَّمثيلي جنبًا إلَى جَنب، خشيةَ وقوعِ القُرّاءِ بالسّآمةِ والإملال، والتّنظير المُغرق للنّظرياتِ، ودونَ التّطرُّقِ لتطوُّراتِها التّاريخيّة، التي قد تُعيقُ عمليّة تطبيقِ فرضيَّاتها.
أمّا عن نَظريّةِ الإطارِ الإعلاميِّ، بجذورِها التّفاعليّةِ الرّمزيّة لجورج هربرت ميد، فَقد صاغَ غوفمان (1974) مَفهومَ أطرِ التّجرِبة، كمرتكزٍ لِفَهم كيفَ تُنظَّمُ المعاني الاجتماعيّةِ عبرَ أنظمةٍ دلاليّةٍ. تبلورَتْ النّظريّةُ فِي تحليلِ الخطابِ الإعلاميِّ خلالَ التّسعينيّات كأداةٍ نقديةٍ، تَكشفُ آلياتِ تَشَكُّيلِ الأخبارِ عبرَ عمليتينِ مُتلازمتين: انتقاءُ جوانبَ مُحدَّدةٍ مِن الواقعِ (تعزيزًا/حذفًا) وصبغِها بسياقاتٍ دِلاليّةٍ مُوجّهةٍ (كإطارِ الضّحيّةِ أو الصّراع) مدعومةً بمفرداتٍ لفظيّةٍ تُحَمِّلُ الوقائعَ دلالاتٍ أيديولوجيّةً (مثلَ: مقاومة vs عنف). تُظهِرُ النّظريّةُ كيفَ يُحوِّلُ الإعلامُ الوقائعَ المحايدةَ، إلَى رواياتٍ ذاتِّ مَرجعيّاتٍ ثقافيّةٍ وسياسيّة، مُنتجةً وعيًا جمعيًا مُرتبطًا بهياكلِ السّلطة. قيمةُ النظريّة العُليا تَكمنُ فِي كشفِها العلاقةَ الجدليّةَ بينَ المُمارسةِ الإعلاميّةِ والهيمنةِ الثّقافيّة، حيثُ تُقَدُّمُ الأخبارُ نِتاجَ عمليّاتِ بناءٍ مُتعمَّدةٍ، تُشكِّلها عواملُ: اللغة (المفردات، الاستعارات). والسّياق المؤسسي (ملاك الوسائل، الخط التحريري). والهياكل الاجتماعيّة (الأيديولوجيا السائدة، علاقات السلطة). مِمَّا يَجعلها أداةً لترسيخِ الهيمنةِ الثّقافيّةِ، لا نقلًا محايدًا للمعلوماتِ، ومرآةً للواقعِ.
